جسرٌ نحو المعرفة
Skip Navigation Links الرئيسية : الأخبار : كلمة صاحب السمو الأمير الحسن بن طلال في افتتاح أعمال المؤتمر العربي التركي الرابع للعلوم الاجتماعية
كلمة صاحب السمو الأمير الحسن بن طلال في افتتاح أعمال المؤتمر العربي التركي الرابع للعلوم الاجتماعية

كلمة صاحب السمو الأمير الحسن بن طلال ،في افتتاح أعمال المؤتمر العربي التركي الرابع للعلوم الاجتماعية،
 
 والذي عقد في جامعة البترا في الفترة 26-2014/10/27،
 
وقد ألقاها نيابة عن سموه الأستاذ الدكتور عدنان بدران 
 
 
(ATCOSS) 
 
المؤتمر العربي التركي الرابع للعلوم الاجتماعية 
 
"الاقتصاد، التعليم والتنمية"
 
“Economy, Education and Development”
 
 جامعة البترا ،عمان، المملكة الأردنية الهاشمية 
 

المنظّمون: منتدى الفكر العربي (ATF) الأردن، معهد التفكير الاستراتيجي (SDE)  تركيا، جامعة البترا / الأردن.

 

الشركاء: الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (IKA) ، مؤسسة عبد الحميد شومان/ الأردن، صندوق الترويج التركي.

 

  

  • ما جَمعَنا مع الإخوة في تركيا منذ عقود، في اللقاءاتِ والحواراتِ، وفي أشكالٍ متعددةٍ من التعاون وتبادل الأفكار لصالح تنمية هذا الإقليم، يتضمَّنُ الكثير من القواسم المشتركة في منهجِ التفكير، والرؤيةِ الواقعية القابلة للتطبيق. ونطمحُ أن تكونَ رؤانا، ولا سيما في قطاعِ التعليم، سواءٌ في مراحلهِ العامة، أو في التعليمِ العالي ومُخْرَجَاتِه، في خدمةِ البرامج الوطنية لدول المنطقة، نحو التحوّل إلى اقتصادٍ معرفي وإنتاجيّ، وكذلك في تأهيل القوى العاملة تكنولوجياً للتعامل مع الأنظمة الصناعية والإنتاجية، وجَسر الفجوة بين التعليمِ والإنتاج، وفي مجالِ دور البحوث العلمية في معالجة المشكلات، وإيجاِد الحلول التي تكفلُ الارتقاءَ بالقطاعاتِ الاقتصاديةِ والاجتماعية، وإدامةِ الرّوح الرياديةِ؛ اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، من خلالِ التركيز على الكفاءةِ، والمهارات، ورعاية الإبداع، ثم التغلُّب على محدِّدات المربَّع الصعب، المربَّع الأجدى للتعاون الإقليميّ لمنطقتنا؛ مربع الطاقة والتكنولوجيا والمياه والبيئة.
  •  

  • إنَّ المقصود بكلِّ ذلك هو الإنسان، وتعليمِ الإنسان ليكون حرّاً بالمعنى الذي يؤكد مسؤوليته في الحفاظ على الحريّة؛ الحريّة المسؤولة إزاء الانفلات والتفلُّت والفوضى وتداعياتها المأساوية التي نشهدها اليوم على القيمةِ الكبرى: القيمة الإنسانية الجامعة.
  •  

  • لقد قلتُ سابقاً في بعض المناسبات إنَّ التعليم الجامعي لا بدَّ أنْ يهدِف إلى غرسِ القيمِ الفكريّة في أذهانِ الطلبة والباحثين، القيم التي تعني: الشجاعةُ الفكرية مقابل الجُبنَ الفكريّ، والتواضعُ الفكريّ مقابلَ التكبُّر والاستكبار الفكريّ، والتعاطفُ الفكريّ بدلاً من الانغلاقِ فكراً وحسّاً وشعوراً، والاستقلالُ الفكريّ في مواجهة أساليب التكيُّف الفكريّ لصالح أجندات مهما اتسع نطاقُها تظلُّ ضيقةً وانعزاليّة، والنزاهةُ الفكريّة لتضييق مساحات النّفاق الفكريّ، وإعادةُ الإنصاف الفكري بدلاً من غيابه، والمثابرةُ الفكريّة المنهجيّة للتغلُّبِ على الكسل الفكريّ، وأولاً وأخيراً الثقةُ بالعقلِ والبرهان.
  •  

  • في فلسفةِ هذا المؤتمر والدواعي لانعقاده، إنَّ التعليم والتنمية الاقتصادية هما أهم قضيتين رئيسيتين في البلدان النامية والمتقدمةِ على السواء، والعَلاقةُ المباشرة بين هَذين العاملين تكتنِفُها إشكاليةٌ كبيرة، خاصةً في منطقة الشرق الأوسط، في ظلِّ الأزمةِ الحالية التي تَعصِفُ بالاقتصاد العالميّ، وتَضِرب الاستقرارَ الاجتماعيّ، وتزيدُ من معدلات البطالةِ والفَقر في منطقتنا بالذات. وفي دواعي بادرةِ منتدى الفكر العربي إلى إطلاق "الميثاق الاقتصادي العربي"، قُلنا إنَّ بعضاً من تحدّيات التصدّي للمستقبل تفوقُ قدرةَ أي قُطرٍ على مواجهتِها منفرداً، لأن إنجازَها يتطلَّبُ كتلةً حَرِجَةً أكبرُ من أن يوفّرَها قطرٌ بمفردهِ.
  •  

  • ونحن نتحدثُ عن إحكامِ منظوماتِ التعليم، وتكوينِ الثروات البشرية، لا بدَّ أن ننظرَ أيضاً إلى ما تَحدّثَ عنه "الميثاق الاقتصادي العربي" من توسعٍ كمّيّ في التعليم الأساسيّ والجامعيّ، وتراجعِ نوعيّةِ التعليم، والعزوفِ عن التأهيل المهنيّ والتكنولوجيّ لدى الشباب. ولا بد أن نذكِّرَ التعلم مدى الحياة، التعلم الذي يبني قدرات الفرد، ويمكّنهُ من إدراكِ الفرص، والاستفادةِ من الإمكانات التي توفّرُها التكنولوجيا للتعلّم، في ظلِّ المنافسة المحتدمة بين الكثيرِ من الأمم للوصول إلى معدلات نموّ جيّدة.
  •  

  • ينبغي ألَّا يغيبَ عن البال أنَّ تعليمَ التفكير، والتفكيرِ الناقد تحديداً، لا يمكنُ أن يتمَّ إلَّا بإصلاحاتٍ شاملة، اقتصادية واجتماعية وثقافية، وفي أولوياتها دعمُ البحث العلمي لغايات التنمية.
  •  

  • لقد أشارت تقاريرُ اليونسكو خلال السنوات الماضية، وكذلك بيانات البنك الدولي، إلى ظاهرة غياب الإرادة السياسيّة الحكوميّة عربياً؛ من أجلِ توفير الموارد اللازمة للأبحاثِ والتنمية. فمعدل ما أُنفِقَ على البحث العلميّ لا يتجاوز (%0.04) من إجماليّ النفقات. ومعدل العالم العربي بالنسبة للعلماء والمهندسين والعاملين في البحث والتطوير لا يتجاوز ربع المستوى العالمي، فيما المعدل العالمي يصل إلى (876) عالماً لكل مليون نسمة. وتشكِّل النفقات الدفاعية العربية (50%) من تجارة السلاح في العالم (حجم إنفاق دول الخليج العربي وحدها على التسلح عام 2010 تجاوز 105 مليارات دولار أمريكي، أي بزيادة 11 مليار دولار على عام 2009). أضف إلى ذلك أنَّ البلدان العربيّة تدرِّبُ عدداً أقلّ من العلماء والمهندسين (1 من كل 20 طالباً جامعياً يدرس التخصصات العلمية)، كما تنتجُ أعداداً أقلّ من معدلات الإنتاج في العالم من الأبحاث العلمية المنشورة، وكذلك براءات الاختراع والتقنيات المبتكرة.
  •  

  • إنَّ العالمَ العربيّ، وعلى الرغمِ من جهودٍ بدأت في خمسينيات القرن الماضي لمكافحة الأمّيّة، ما يزال يعاني من ارتفاع معدلات الأمّيّة بين البالغين. وأقول دوماً إنَّ الأمّيّة القانونية لا تقلّ خطراً عن المفهوم السائد لأمّيّة القراءة والكتابة، لأنَّ الأفقر هم ضحايا الأمّيّة القانونيّة، وعكسَ ذلك ضمانَ الآليّات الأساسيّة للتمكين القانونيّ (أي الوصول إلى العدالةِ وسيادة القانون، وحقوق الملكيةِ، وحقوقِ العمل، وحقوقِ ممارسة الأعمال التجارية)، ومن دون تلك الآليّات لا يمكن أن يُزهِرَ الأملُ للرفع من سويّة التعليم العالي والمواطنة الفاعلة في منطقتنا.
  •  

  • إنَّ ارتفاعَ أعدادُ الجامعات، وازديادُ أعدادِ الطلبة فيها، نتيجةً لعواملَ النموّ الديمغرافيّ وزيادة الطلب على التعليم الجامعيّ، والالتزام بإتاحة التعليم الثانويّ لكلّ قطاعات المجتمع، هي أمورٌ في المحصلة لم تستفد منها القطاعات الاجتماعية الأقلُّ حظاً والأكثرُ فقراً، وكذلك بعض الفئات المُصنَّفة على أساسٍ عرقيّ، والمهمّشين، والشباب، والمرأة. ثم إنَّ ارتفاع تلك المعدلات لم يرافقه ارتفاعٌ موازٍ في نوعيّة التعليم. والتناقض المُلاحَظ أنَّ ما تنفقهُ البلدان العربيّة بنسبة (5%) من إجمالي الناتج المحليّ على التعليم، الذي هو أكثر مما تنفقه بلدان شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، إذ يبلغ 3%. لكن، على الصعيد العربيّ، فإنَّ العائدات ما زالت هزيلةً، حيث لا يعكس الإنفاق على التعليم ما يمكن أن يُعدّ إنجازات أكاديمية.
  •  

  • لقد سبقَ أنْ حدَّدَ تقرير البنك الدوليّ أسباب الفجوة التعليمية التي يعانيها العالم العربيّ، وأنها تكمنُ في الاهتمامِ غير الكافي بنوعيّة التعليم، وفي البيروقراطيّة الزائدة، والإجراءات البيروقراطية غير المبرَّرة، وغياب المساءلة بشكلٍ كافٍ في إطار الإدارات الجامعيّة، والتجديدات غير المناسبة في طُرق التدريس، والتقنيات، والإنفاق غير الكافي على الأبحاث.
  •  

  • لابد من التّذكير بأنه في خِضم الأزمة الاقتصادية العالميّة، ينبغي طرح التساؤل مرةً أخرى: هل ستحتلّ المؤسسات المختصّة بضمان الكرامة الإنسانية الموقع الأخير في قائمة أو سُلَّم أولويّات واضعي السياسات؟ إنَّ إيجاد الحلول للأزمات يحملُ معهُ حُكماً فُرصاً وآمالاً بالإصلاح والتغيير. ففي كلِّ سنة هناكَ عددٌ هائل من شهاداتِ التعليم العالي تُمنحُ لأفرادٍ إمّا أقلّ تأهيلاً، أو يصبحونَ عبئاً على التنمية، وأرقاماً في ارتفاعِ معدّلات البطالة. إننا بحاجةٍ إلى أنْ يُخرِج التعليم الفرد قادراً على المشاركةِ الفاعلةِ في هذا المجتمع المعولم، وتكون للمجتمع خياراته، وليس الخيارات المفروضة عليه بالسطوة. إنَّ الإنسانُ الفرد المجهزُ بأدوات العقلِ والمعرفةِ والإبداع للمساهمة في الساحة العالمية، والذي لا ينفصل عن هُويّته وثقافته، ومدركاً كل الإدراك للقيم الإنسانية المشتركة، هو الإنسان الذي نعنيه.
  •  

  • وإنَّ هذا اللقاءَ الذي هو في صميمِ سياقِ حوار الثقافات، بما ينطوي عليه من تبادل خبرات ومعرفة ورؤى، والمزيدِ من إمكانات معرفة الذات على المستويين الفردي والثقافي العام، يتطلَّب منّا أنْ نفعّله بجهدٍ تشاركيّ لوضع استراتيجيات واضحة، وأفكار عمليّة، وبرامج قابلة للتطبيق. وإنَّ برامج التبادل التعليميّ، إضافةً إلى المناظراتِ العامة القوية في جوهرها ومضمونها، وحوارات المواطنين، لها دورٌ حيويّ في تنميةِ قاعدةٍ مشتركةٍ للسلوك تمثِّلُّ جزءاً أساسياً من أخلاقيات التضامن بين الشعوب، تلك الأخلاقيّات التي تتجاوز الاختلافات الفرعية التي تفرزها السياسات الآنيّة ضيّقة النظر. وإنَّ إدارة إدراك الأهداف المشتركة، والتجارب، والقيم، يمكن أنْ يسمح لمجتمعاتنا بالبقاءِ وإعادة بناء ذاتها المجدِّدة في عالمٍ يتمتعُ بالاستقلالِ المتكافل.
  •  

  • إنَّ مجابهة التحديات التي تشهدها منطقتُنا، وتفشّي نزعات التطرّف المذهبيّ والطائفيّ والإثنيّ، تفرض علينا أن نستمرَّ في طرحِ السؤال: كيفَ نستطيعُ أن نطفئ ونحتوي شراراتِ النزاعات والتوترات والاقتتال، التي ستقودُ حتماً إلى تفتيتِ الدولة، فتغدو الأوطانُ دويلاتٍ طائفيّةٍ، وتصبحُ سِمةُ المنطقة سمةً صراعيّةً بين تلك الدويلات، مما يعني تدهوراً على مختلف الصُّعد الإنسانيّة، وتراجعاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً؟ والسؤال الآخر: كيف يمكننا أن نُقيمَ أركان ثقافة السلام في هذه المنطقة؟
  •  

  • أقولُ إنَّ الوصولَ إلى إجاباتٍ منطقيّةٍ على مثلِ هذه الأسئلة تفرضُ علينا إعادةُ قراءةِ الخطاب الدينيّ والمذهبي والطائفيّ، والبحثُ عن منابعِ الغِنى في التعدّديّة الثقافية، مع احترام الفروقات. وهذه الإعادة مطلوبة في هذا الوقت أكثر من أي وقتٍ مضى في تاريخ منطقتنا، وخاصة عن طريقِ تأهيل الوعّاظ والأئمة، وأذكِّر هنا بالمبادئ التي حَمَلتها (رسالة عمّان)، بكلِّ ما اشتملت عليه من تأكيدٍ لمنهج الوسطيّة، والاعتدال، والتسامح، واحترام الأديان والمذاهب، والاتجاهات الأخرى في الاجتهاد الديني. إنَّ هذا التأهيل هو جزءٌ لا يمكن التخلّي عنه في نسيج التعدّدية الفكريّة السليمة والصالحة لبناء الفكر، كما نطمحُ جميعاً.
  •  

  • وإنَّ بناء الفكر المعاصر، والانفتاح الفكريّ، وانتهاج الوسطيّة، والاعتدال، والتسامح، بدلاً من الانعزال، والتعصُّب، والانغلاق، والتمترس خلف أفكارٍ لم تعد تصلح لعصرنا الحالي، سيمهِّد لنا البيئة الصالحة لبناء ثقافة السلام المشترك بين مختلف الأطيافِ، والتياراتِ، والفئاتِ والجماعات.
  •  

  • كما أنَّ التركيزَ على الهُويّة الوطنية، وترسيخَها بمفهوم الإنماء والانتماء، الذي هو عنوانُ شعارِ منتدى الفكر العربي، يشكِّلُ عنواناً للمواطنة الحقّة والمُحقِّقة للعدالة، بمعنى المواطنة التي لا تسمح بتهميش أي مكوِّن من المكوِّنات الاجتماعيّة، وتقف حدّاً مانعاً أمام التهميش الذي سيؤدي حتماً إلى التطرّف. وإنَّ إحدى الوسائل القادرة على بناء المواطنة هي صياغة مناهج تربويّة يقوم عليها الفكر المستنير، وتشجيع الحوار بشتى الطرق، للحيلولة دون اللجوء إلى العنف والقوّة.
  •  

  • ما ننشده أولاً وآخراً هو الكرامة الإنسانية بمختلف جوانبها، الكرامة التي يجسدها مجتمع العدالة، والمساواة، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون على الجميع، من دون تمييز، ومن دون نبذِ أي إنسان، أو الاعتداء على حقوق الآخرين، سواءْ بالواسطات والمحسوبيات، وإضعاف سيادة القانون والتطاول عليه، أو بأي شكلٍ من أشكال العنف والإجبار والقهر. وهذا يعني توزيعاً عادلاً للثروات، وإحقاقاً لحقوق الإنسان والتمكين الثقافي والقانوني لعدم انتهاكهما، وتجسير الفجوة بين الفقراء والأغنياء. ذلك ما يعزِّر المناعة الاجتماعية القويّة ضدّ أشكال التطرّف.
  •  

  • رسالة الفِكر لا يمكن أن تُصاغ بشكل فرديّ، ولا يمكن لفرد أو جماعة لوحدها أن تحتكر مضامين هذه الرسالة، وحين نقول إنَّ التشاركية مفهومٌ إنسانيّ اجتماعيّ، فإننا نعني أنَّ رسالة الفكر ومسؤولياته عنوانُها إنسانيّ ومضمونها تشاركي.
  •  

    أُرحبُ بكم، وأشكر لكم حضوركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ​