جسرٌ نحو المعرفة
Skip Navigation Links الرئيسية : الأخبار : التمكين: سياسة وإستراتيجية التعليم العالي
التمكين: سياسة وإستراتيجية التعليم العالي

التمكين: سياسة واستراتيجية التعليم العالي
 
 د. عدنان بدران
 
أن أعودَ لمدرستي خضوري، وقد أصبحتْ جامعةً شامخة، يعيدُ لي الذكريات، ذكرياتِ ثلاثِ سنواتٍ قضيتُها في ربوعِ خضوري وطولكرم في بداية الخمسينات... شاركتُ مع سبعين زميلاً حياتَهم. عشتُ سرّاءَهم وضرّاءَهم...  كنا أسرةً واحدةً تسودُها المحبةُ والمودةُ والوئام، ننامُ ونصحو ونتناولُ الإفطارَ ونأكلُ معاً، ندرسُ معاً الموادَّ النظريةَ في الصفوفِ والمختبرات، ونمضي نصفَ الأسبوعِ في التدريبِ والتدريسِ العملي، نتوزّعُ على المزرعةِ: مزرعةِ البستنةِ الخُضْريةِ، والبستنةِ الشجريةِ والمشاتل، ومزرعةِ الأبقارِ الحلوب، ومصنعِ الألبان، ومزرعةِ الدواجنِ والنحلِ وورشِ النجارةِ والحدادةِ، والتدرّب على قيادةِ التراكتورات والحراثةِ والنكشِ واستخدامِ الآلياتِ الزراعية.  تدربتُ على احترامِ العملِ اليدويِّ وعشقِ الأرضِ وما ينمو على الأرض، تعلمتُ حبَّ العملِ الجماعي، كنا نلعبُ معاً، وصفّنا الدراسيُّ في السنةِ لا يتجاوزُ طلبتُهُ الأربعةَ وعشرين، ندرسُ ونذاكرُ ضمنَ برنامجٍ ثابتٍ مبرمجٍ دقيقةً بدقيقة... وهذا قبل اختراع الكومبيوتر والبرامجِ الحاسوبية، كان هناك التزامٌ واحترامٌ للوقت.  فخضوري مدرسةٌ نوعيةٌ اهتمّتْ بالفردِ لبناءِ الريادة، لذا خريجو خضوري نجحوا في الميدان نتيجةَ خبراتِهم النظريِة والعملية، وقدّموا نهضةً زراعية في فلسطين والأردن وفي باقي الوطن العربي لا مثيلَ لها.
 
عملتُ بعد تخرجي مرشداً زراعياً مع بدايةِ تأسيسِ الإرشادِ الزراعي، ولقد كان معظمُ جهازِ الإرشادِ الزراعيِّ من خريجي خضوري، لتفوقهم.  بعدها التحقتُ بجامعات الولايات المتحدة الأمريكية، ولم أجدْ صعوبةً في التحصيلِ الجامعي، بل اختصرْتُ فترةَ البكالوريوس إلى النصفِ تقريباً بسببِ نوعيةِ ومنهجيةِ التدريسِ في مدرسةِ خضوري، وكنتُ دائماً على لائحةِ الشرفِ للكلية.
ونحن الآن نلتقي مرةً أخرى في خضوري الجامعة... جامعةِ فلسطين التقنية،
وللجامعةِ رسالةٌ رئيسةٌ أن تكونَ منارةَ علمٍ ومعارفَ، ورافعةً حقيقيةً للفكرِ والثقافة، في تنميةِ المجتمعاتِ المحلية، في بناءِ المهاراتِ والسلوكياتِ والأنماطِ الفكريةِ الحداثية، في مجابهةِ التحديات. فالجامعةُ تشكّلُ الحاضنةَ الرئيسةَ لبناءِ الرأسمالِ البشريِّ وإطلاقِ العَنَانِ للفكرِ الخلاّق لأعضاء هيئة التدريس والطلبة للسمو إلى مدارات وآفاق جديدة تنافس الآخرين في مواءمتهم وجَوْدتِهم لتحدياتِ السوق. فمخرجاتُ البحثِ العلميِّ كفيلةٌ بتطويرِ وتنميةِ المجتمع.
إلا أنّ رسالةَ جامعةِ فلسطين التقنية/خضوري أضخمُ وأعمقُ بكثيرٍ مما أسلفنا ذكْرُه. فهي جامعةٌ تقعُ على أرضٍ فلسطينيةٍ محتلةٍ، يقومُ المحتلُّ على إيجادِ كلِّ فرصةٍ لتهجيرِهِ للإحلالِ مكانَه. لذا فرسالةُ الجامعةُ أكبرُ من جامعةٍ عاديةٍ، رسالتُها استثنائيةٌ، هدفُها الرئيسيُّ "التمكين".. تمكينُ الإنسانِ في أرضِهِ من خلالِ تنميةِ مهاراتِهِ وإبداعاتِهِ وفكرِهِ الخلاق، ليكونَ فرداً منتجاً يشغُّلُ الآخرين، وهدفُها أن تكون جامعةً منتجةً بمخرجاتِ البحثِ والابتكارِ والاختراعِ لرفدِ الصناعةِ والزراعةِ والخدماتِ بالتكنولوجيا الحديثةِ لبناءِ صناعةٍ قائمةٍ على الذات.
ولتنفيذِ رسالةِ التمكين (empowerment) بين الشباب، لا بد للجامعةِ من تنفيذِ السياسات التالية:
 
أولاً:  استقلاليةُ الجامعةِ أكاديمياً ومالياً وإدارياً لتنميةِ التنافسيةِ ورفْعِ مستوى الأداءِ، واعتمادِ الجدارةِ والكفاءةِ وتكافؤِ الفرصِ كمعيارٍ رئيسيٍّ في سياسةِ القبولِ والتعييناتِ والترقياتِ، وتفعيلِ مجلسِ الأمناءِ من الكفاءاتِ الأكاديميةِ والإداريةِ والتمويلية.
 
ثانياً:  إنشاءُ وقفيةٍ يجري تمويلُها من منحةٍ حكوميةٍ سنويةٍ ومن القطاعِ الخاصّ، تستخدمُ أرباحُها لدعمِ موازنةِ الجامعةِ السنوية.
 
ثالثاً:   استكمالُ بنيةِ الجامعةِ وإنشاءاتِها لتكونَ جامعةً شاملةً مميزةً للعلومِ، والعلومِ الطبيةِ، والعلومِ الهندسية، والعلومِ الزراعيةِ، والاقتصادِ، والعلومِ الإدارية، والعلومِ التربويةِ والإنسانية والاجتماعية، ترفِدُ الوطنَ بقياداتٍ شبابيةٍ مميزة.
 
رابعاً:   تنفيذُ برنامجٍ مكثّفٍ للبعثاتِ والإيفادِ إلى الخارج من الخريجين المميزين إلى جامعاتٍ مرموقةٍ لرفدِ الجامعةِ في توسعاتِها الأكاديميةِ والإداريةِ، واستخدام المنحِ الخارجيةِ ما أمكن.
 
خامساً: تجسيرُ كلياتِ الجامعةِ مع كلياتٍ مناظرةٍ مميزةٍ في الخارج، واستخدامُ برامجَ التبادلِ العلميِّ والثقافي، مثلَ برنامجِ داد الألماني، وفولبرايت الأميركي، وبرامج تمبوس وإيراسموس مندوس في الاتحاد الأوروبي وغيرها.
 
سادساً: الالتزامُ باقتصادياتِ التعليمِ والبحثِ العلمي من حيث ضبطُ التعيين بين الإداريين، وتحقيقُ معاييرِ الاعتمادِ بين الأكاديميين وفقَ معادلاتٍ دوليةٍ معروفة.
 
سابعاً:  تحويلُ الجامعةِ إلى جامعةٍ منتجةٍ. مما يتطلب إنشاءُ حاضنةٍ في كلّ كليةٍ لتحويلِ مخرجاتِ البحثِ العلمي ومشاريعِ تخرجِ الطلبةِ من المعارف إلى تقنياتٍ جديدة، لرفدِ إنشاءِ صناعاتٍ جديدةٍ وتطويرِ الصناعاتِ القائمة، وإنشاءِ مجمّعٍ علمي صناعيٍّ لتكوينِ شراكةٍ مع القطاعين العام والخاص في إنشاءِ شركاتٍ جديدةٍ قائمةٍ على الاقتصاد المعرفي.
 
ثامناً:  اعتمادُ التميزِ في جَوْدةِ التعليمِ والبحثِ العلمي ومخرجاتِهِ، ومتابعة الخريجين إلكترونياً؛ كيفيةِ أدائِهم ونجاحاتهم في الحياةِ العملية، واستخدامِ ذلك لتغذيةٍ راجعةٍ في تطويرِ الخططِ الدراسيةِ ومنهجيةِ التدريس، وهذا قد يتطلبُ إنشاءَ جمعيةٍ أو نادٍ للخريجين للتواصلِ بينَهم ومع جامعتِهم لدعمِها المعنويِّ والمادي.
لذا، فجامعةُ فلسطين التقنية/خضوري، تقعُ عليها مسؤوليةٌ جسيمةٌ في تمكينِ الإنسانِ في التربيةِ والعلومِ والثقافةِ والاتصال، في بناءِ ثقافةٍ معاصرةٍ ترتبطُ بحضارِتنا العربية، في تمكينِ مجتمعٍ إنسانيٍّ يرتبطُ بأرضِهِ وتراثِهِ وحضارتِهِ... مجتمعٍ إنسانيٍّ يقومُ على العدالةِ والمساواةِ وتكافؤِ الفرصِ وسيادةِ القانونِ الوطني واحترامِ حقوقِ الإنسان وحقِ الشعوبِ في تقريرِ مصيرِها على أرضِها، والأخذِ بمبادئِ حريةِ الفردِ وحريةِ التعبيرِ والحوارِ واحترامِ الاختلافِ، والتباينِ والتعدديةِ الفكريةِ والسياسية، والحفاظِ على الهويةِ الفلسطينيةِ، وتحقيقِ التنميةِ المستدامةِ، وبناءِ ثقافةِ السلامِ القائمةِ على العدالةِ وحقِّ الشعوبِ في تقريرِ مصيرِها دون تفريطٍ في الأرضِ والوطن... فالأرضُ والوطنُ عُهْدةٌ علينا من الأجيال الماضيةِ وعهدة علينا للأجيال القادمة. 
لذا، فإنَّ التمكين هو سبيلُنا لنيلِ استقلالِنا السياسي.. وهو مصدرُ قوتِنا السياسيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعية، والعالمُ لا يُولي أيَّ اهتمامٍ لشعبٍ ضعيف، مهما كانت قضيتُه عادلةً، ولكنه يقدّرُ ويحترمُ ويدعمُ الشعبَ الديناميكي الحيَّ المسلّحَ بالريادةِ والإبداعِ والابتكارِ والعلمِ والفكرِ الخلاق... هذا هو سلاحُنا كجامعاتٍ في تمكينِ الإنسانِ على أرضِهِ، وعند ذلك فإزالة الاحتلالِ القائمِ سيصبحُ مسألةَ وقت. 
لذا يجبُ أن نفعّلَ البيئةَ الإبداعيةَ للجامعة، لتخليقِ المعرفةِ وإبداعاتِها إذ تُشكّلُ الحاضنةُ البيئةَ الإبداعيةَ الرئيسةَ لبناءِ الفكرِ الخلاقِ، وتوطينِ المعرفةِ في الأمةِ لتصبحَ نهجَ حياةٍ في بناءِ مستقبلٍ واعدٍ، يقومُ على مخرجاتِ البحثِ العلمي وإبداعاتِه...ولا تنجحُ البيئةُ الإبداعيةُ في بيئةٍ عصبيةٍ غيرِ ديمقراطية، تحدُّ من الحرياتِ وانطلاقِ الفكرِ إلى مساحاتٍ جديدةٍ بلا خطوطٍ حمراءَ سياسيةٍ أو اجتماعية، ولا يمكنُ للإبداعِ أن ينموَ في  بيئةٍ سلطويةٍ أو أيديولوجيةٍ مِفروضةٍ بالإكراه، فالإبداعُ يحلقُ عالياً في جو من الحرياتِ في بيئة التعددية الفكرية الديمقراطية، إذا لا يعقلُ أنْ يبدعَ عالم أو مخترع عربي في بيئةٍ أجنبيةٍ ليصلَ في إنتاجهِ العلميِّ إلى جائزة نوبل، بينما إذا عاد إلى بيئتِه العربية، فإنه يُهمّشُ ويصيُبُه تبعاً لذلك مرضُ القوقعةِ واللامبالاة... فالبيئةُ الإبداعية التي تنمّي الفكرَ الخلاقَ، وتنتجُ المعرفةَ تحدّدُ لنا في أن نكونَ أو لا نكون، ومن يمتلكُ المعرفةَ في عصرِنا هذا يمتلكُ العالم.  والفرقُ بين دولةٍ متقدمةٍ صناعيةٍ ودولةٍ ناميةٍ هو فرقٌ في الإبداع والابتكار.
والأستاذُ الناجحُ يكمنُ في قدرتِهِ على تنميةِ مواهبِ الطلبةِ، وأن يكونَ ميسّراً، يتجاوزُ المألوفَ للدخولِ في مساحاتٍ من المغامرةِ الفكريةِ وتجاوزِ الخطوطِ الحمراءِ التي تلجِمُ الفكرَ الخلاق.  فالأخذُ بالتعلُّمِ المدمجِ والتعلّمِ التفاعلي مع الطلبة بعيداً عن التلقينِ هي منهجيةٌ تربويةٌ معاصرةٌ في التدريسِ لتقصّي الحقائقَ، وحلِّ المشكلاتِ، وبناءِ المهاراتِ المعرفيةِ والتعلمِ، كيف نتعلمُ؟ وكيف نقرأُ ونستنتجُ ونحللُ ونصلُ إلى المعلوماتِ ونحفّزُ الاستقصاءَ والتساؤلَ لتنميةِ الذكاء.. ليس علينا أن نجعلَ البشرَ أذكياءَ، فهم يُحْلقونَ كذلك، بل علينا التوقّفُ عن جعلِهم لا يفكّرون (جون هولت).
 
وأنتم أيها الخريجون:
أنتم الأملُ والرجوةُ في مستقبلِ هذه الأمة.. فكونوا الأملَ، فلا تيأسوا مما وصلَ جيلنا إليه... فكّروا بإيجابيةٍ مهما كان الطريقُ معتماً، وحاولوا إضاءَتَهُ بما تسلحِتمُ به من مفاهيمَ تنويريةٍ ومهاراتٍ علميةٍ وتقانية، فكّروا بالحلولِ دون إضاعةِ وقتكِم في المشكلاتِ التي تجابهكم، كونوا خيرَ سفراء لوطنكم فلسطين وعلى تواصل مع جامعتكم، التهنئة لكم ولذويكم الذين كانوا خير سندٍ لكم، فاحفظوا الجميل لهم.
شكري وتقديري لراعي الحفل دولة الأستاذ الدكتور رامي حمد الله رئيس الوزراء، وعطوفة محافظ طولكرم اللواء الدكتور عبد الله كميل.
شكري وتقديري للأستاذ الدكتور مروان عورتاني رئيس الجامعة، والعمداء، والأساتذة، لجهودهم في حمل الرسالة، لإيصال الخرجين لهذا اليوم التاريخي في مفاصل حياتهم.
شكري وتقديري لكم أيها الحضور، وأنتم أولياء الأمور ونحن نجتمع معاً للاحتفال بهذه الكوكبة الرائعة من الخريجين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
،